ابن بطوطة
223
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ثم كان سفري من مصر على طريق الصعيد برسم الحجاز الشريف ، فبت ليلة خروجي بالرباط الذي بناه الصاحب تاج الدين بن حناء بدير الطين « 160 » وهو رباط عظيم بناه على مفاخر عظيمة ، وآثار كريمة ، أودعها فيه ، وهي قصعة من قطعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والميل الذي كان يكتحل به ، والدّرفش وهو الأشفى الذي كان يخصف به نعله ، ومصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي بخط يده رضي اللّه عنه . ويقال إن الصاحب اشترى ما ذكرناه من الآثار الكريمة النبوية بمائة ألف درهم وبنى الرباط وجعل فيه الطعام للوارد والصادر والجراية لخدام تلك الآثار الشريفة ، نفعه اللّه تعالى بقصده المبارك . ثم خرجت من الرباط المذكور ومررت بمنية القائد « 161 » ، وهي بلدة صغيرة على ساحل النيل ، ثم سرت منها إلى مدينة بوش « 162 » ، وضبطها بضم الباء الموحدة وأخرها شين معجم ، وهذه المدينة أكثر بلاد مصر كتانا ومنها يجلب إلى سائر الديار المصرية وإلى إفريقية . ثم سافرت منها فوصلت إلى مدينة دلاص « 163 » ، وضبط اسمها بفتح الدال المهمل وآخره صاد مهمل ، وهذه المدينة كثيرة الكتان أيضا كمثل الذي ذكرنا قبلها ويحمل أيضا منها إلى ديار مصر وإفريقية . ثم سافرت منها إلى مدينة ببا « 164 » ، وضبط اسمها بباءين موحدتين أولاهما
--> ( 160 ) دير الطين : قرية توجد دائما على الساحل الأيمن للنيل على بعد خمسة كيلوميترات جنوب القاهرة القديمة ، هذا وإن أول ما عرف عن تلك الآثار المشار إليها أنها كانت عند بني إبراهيم بالينبوع ، واستفاض أنها بقيت موروثة عندهم من الواحد إلى الواحد إلى رسول اللّه صلى اللّه صلى عليه وسلم ، ثم اشتراها في القرن السابع الهجري أحد بني حنّا الوزراء الأماثل ، ونقلها إلى مصر وبني لها رباطا على النيل عرف برباط الآثار وهو المعروف الآن بجامع أثر النبي ، وقد تحدث عن هذا الرباط المقريزي في خططه . . . وسماه ابن دقماق بالرباط الصاحبي التاجي . . . واستطرد ابن كثير في البداية والنهاية بذكر بعض تلك الآثار . . . وذكره القلقشندي عند كلامه على الرّبط التي بالفسطاط . . . وذكره البرهان الحلبي في حاشيته نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس . . . وها نحن نرى ابن بطوطة يخصص للرباط هذه الفقرات الدالة . . . وقد عرّف العلّامة أحمد تيمور بباني الرباط تعريفا جيّدا . . . في الحلقة الثانية من بحثه حول الآثار النبوية الذي نشرته مجلة الهداية الاسلامية ج 12 / م 1 القاهرة جمادى الأولى 1348 ( أكتوبر 1929 ) ، يراجع تعليق سابق رقم 160 حول ترجمة الصاحب تاج الدّين بن حناء . . . ( 161 ) منية القائد توجد في الجيزة على الساحل الشمالي للنيل ، ربما كانت هي المعروفة اليوم تحت اسم منى الأمير . ( 162 ) توجد مدينة بوش بين مدينة الواسطة وبين مدينة ( بني سويف ) في منطقة الفيّوم . ( 163 ) تقع دلاص في نفس موقع بوش ، وقد ورد ذكرها في ( نزهة المشتاق ) للإدريسي الذي يتحدث عن قيام صناعة الحديد بها في زمانه ، وإليها تنسب اللجم الدلاصية . . . ( 164 ) تقع ببا على نحو من عشرين كيلوميترا جنوب بني سويف ، وتسمى أيضا ببا الكبرى . . .